صديق الحسيني القنوجي البخاري

451

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليه ، ومعنى سوط عذاب نصيب عذاب أو نوع من العذاب . فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصيحة وفرعون بالغرق فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ [ العنكبوت : 40 ] . وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به ، وقيل ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به . وقال الفراء هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب . وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب ، وقيل معناه عذاب يخالط اللحم والدم من قولهم ساطه يسوطه سوطا أي خلطه فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض ، والأولى أنه مجاز واستعارة عن إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه وأكملها إذ الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام أي عذبوا عذابا مؤلما دائما . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تعليل لما قبله إيذانا بأن كفار قومه عليه السلام سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام . وقد قدمنا قول من قال إن هذا جواب القسم ، وبه قال ابن مسعود ، والأولى أن الجواب محذوف والمعنى أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيرا وبالشر شرا ففيه استعارة تمثيلية قال الحسن وعكرمة أي عليه طريق العباد لا يفوته أحد ، والرصد والمرصاد الطريق . وقد تقدم بيانه في سورة براءة ، وقد تقدم أيضا عند قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً [ النبأ : 21 ] وقال ابن عباس : بالمرصاد أي سمع ويرى ، وقال ابن مسعود في الآية من وراء الصراط جسور جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب عز وجل . ولما ذكر سبحانه أنه ذكر ما يدل على اختلاف أحوال عباده عند إصابة الخير وعند إصابة الشر ، وإن مطمح أنظارهم ومعظم مقاصدهم هو الدنيا فقال : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ أي اختبره وامتحنه بالنعم فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ أي أكرمه بالمال ووسع عليه رزقه فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فرحا بما نال وسرورا بما أعطي ، غير شاكر للّه على ذلك ولا خاطر بباله أن ذلك امتحان له من ربه واختبار لحاله ، وكشف ما يشتمل عليه من الصبر والجزع والشكر للنعمة وكفرانها ، وأما هنا لمجرد التأكيد لا لتفصيل المجمل مع التأكيد ، وما في إِذا مَا زائدة ، وقوله فأكرمه ونعمه تفسيره للابتلاء .